.

بقلم:عياش يحياوي

الممرضة الطيبة لم تأكل ذراعي..بل شرعت في وضع رأس الإبرة في الوريد فقط..ما الذي أصابني؟ أهي عين أم مرض حقيقي؟ يبدو أني فقدتُ القدرة على التوازن النفسي. غرفتي في المستشفى كانت هادئة كأنها زنزانة انفرادية..يبدو أن الطبيب أمر الجميع بالخروج منها بعد إبرة الدواء.. لا أدري هل هو دواء أم مسكّن لأعصابي المتوترة…المهم أنا الآن وحدي أسترجع ما يشبه استرجاع المُحتضر لأحداث قديمة في حياته…أحداث هي مزيج بين الهلوسة والمنطق..أشعر الآن بشيء من الراحة النفسية لولا أن سريري الأبيض يتمايل بي كأنه بساط الريح..لكنه سرعان ما يهدأ هدوء صخرة ضخمة في الوادي.
لا بد من غربلة أيامي الأخيرة..حتى أعود إلى عملي صافي الذهن. زيدومة المسكينة ظلمتها كثيرا بأوهامي.. شكرا لتحمّلها لانقلابات مزاجي..لقد اشتقت فعلا لطبخها..لا أدري أين تعلمت الطبخ..أتمنى بصدق أن يميل قلبها إلى الجقدالي..إنه رجل طيب..سينجبان أطفالا هم خليط بين مورّثات شجر الجوز وشجر البلوط.. خليط بين الطعم اللذيذ والصلابة.
لا أدري لماذا تذكرتُ الآن رواية (نوّار اللوز)..سأدعو زيدومة لقراءتها حتى تستمتع برومنسيتها وأحداثها.. ربما ستجعلها خاتمة الرواية أكثر عقلانية في قراءة التاريخ..تاريخ الحب وتاريخ الثورات. أما الجقدالي فسأدعوه إلى قراءة كتاب (مناجاة أرواح) علّه يخرج من صلابة أغصان البلوط إلى روحانية الغابة والأسرار العميقة في الوجود.
أما الربح الماشي فسأقترح عليها مواصلة دراستها في فن الحلاقة..إنها مولعة بشعرها الطويل الذي يصل إلى ركبتيها..عادة ما تقضي أكثر من ساعة وهي تمشطه بهدوء وكأنه طفل تريد أن تجلب لعينيه سحابة النعاس..لكني حزين لأنها حتى الآن على الرغم من جمالها المنحرف عن الجمال العادي لم تلفت انتباه شاب يليق بها..أحيانا أقول إنها تزوّجت شعرها الطويل واكتفت بذلك..وأحيانا ألاحظ عليها شيئا من الذهول وكأنها مشغولة بعالم الماورائيات.
لقد اشتقتُ إلى مكتبي أريد مغادرة هذه الغرفة البيضاء في المستشفى..منذ أسابيع لم أكتب مقالا واحدا..ولم يزرني شيطان الشعر…يا شيطان الشعر أين أنت؟ كل ما يرعبني أن يكون قد تاب وماتت شيطنته..سأطلب من مكتبي حين أعود إلى البيت أن يحتضنني بقوة لأنفخ من روحي المتقدة في روحه الخشبية علّه يورق كما تورق أشجار الغابة المجاورة للبيت ربيعا…فإذا حدث ذلك سيكون موسم الكتابة ممرعا خصبا زاهيا بعفاريت الإبداع.
الهواء الخفيف يحرك ستارة غرفتي البيضاء..ما الذي يحدث بين الهواء الخفيف والستارة؟ أهو غزل متبادل أم أن الهواء يتثاءب من رهق السفر الطويل في فجاج الأرض التي ما يزال يضرب فيها منذ بداية الخلق.. أشعة الشمس تلمس غطائي الأبيض..يبدو أن غطائي الأبيض غير مهتم بها…لكن كيف يكون غير مهتم بها وقد احمرّ وجهه خجلا وتعرّقت أصابعه..بل إن حرارة جسمه بدأت تلسع جسدي..يا جسدي لماذا تخاتلني وتكبر حين أنام…ها هما قدماي يلمسان آخر السرير وقد كانتا في طفولتي لا تلمسان الأرض وأنا جالس على كرسي المدرسة…ماذا لو فتح عياش الطفل باب غرفتي البيضاء..هل سأرحب به أم أفزع منه..وهل سيعرف جسده جسدي…وكيف يمكنني أن أقاوم بريق عينيه وهو يكاد يسيل شوقا إلى غياب مطلق لا ينساه حتى يذكره ولا يذكره حتى يكاد يحترق ويذوب كما تذوب سحابة صيفية في الفضاء الواسع وكأنها لم تكن…
يبدو لي أحيانا أن جسدي هذا ليس سوى تراكمات البيولوجيا التي تضغط بثقلها على روح الطفل الذي يتحرك داخلها وهو يتوق إلى التحرر منها بحثا عن الغياب الكبير…
أشعر بلسعات الجوع…طعام المستشفى شبيه بالملل في غرفة الاتظار.. النهار ما يزال طويلا ويطول كأنه ثعبان أسطوري..أرغب في حساء من طبخ زيدومة..وكأس شاي مع الجقدالي.. وجلسة سمر ضاحك مع الربح الماشي…أرغب في إنهاء حلقة اليوم..أريد أن أنام..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *