بقلم : إيمان كاسي موسى

 

يصادف تاريخ اليوم مرور سنة عن رحيل أحد أعمدة الثّقافة واللّسان الأمازيغيّين، المفكّر الجزائري “عبد الرّحمن حوّاش” الّذي ختم عقوده التّسعة برحيل مفاجئ في يوم العلم من سنة 2017، ولا تزال عطاءاته المترامية الأطراف، قبلة للباحثين إلى يومنا هذا.

ولد “عبد الرّحمن حوّاش”، رحمه الله، بقصر تغردايت خلال سنة 1928م- 1346ه. ترعرع بين مدينتي السّوقر ومسقط رأسه، أين تتلمذ على يد مشائخ مدرسة الإصلاح القرآنية، واحترف التّجارة في عمر صغير أهّله ليتبوّأ مراتب في ذلك بعد حين.

حصّل نصيبا وفيرا من اللّغات إلى جانب إتقانه للغة القرآن الكريم، بحيث تعلّم الفرنسيّة بمدرسة الآباء البيض قبل استكمال الطّورين المتوسّط والثّانوي بمعهد الحياة بقصر إقرارن بتغردايت، إلى جانب معرفته اللّاحقة باللّاتينية واللّسانيات المتداولة في شمال إفريقيا، وكذا الألمانيّة والعبريّة والإنجليزيّة الّتي فتحت أمامه آفاقا أوسع للبحث والتّنقيب.

استظهر حوّاش القرآن في عمر صغير، موازاة مع تلقّيه نصيبا وفيرا من علوم اللّغة العربيّة، ولمّا بلغ عقدين من الزّمن عاد إلى تيهرت لممارسة التّجارة.

نضمّ “الصّحراوي” إلى صفوف جيش التّحرير فور انطلاق الثّورة المجيدة، أين جمع بين جهاد البدن والفكر والمال، وكان ذاك هو لقبه الّذي اشتهر به آنذاك.

تعوّد، منذ وقت باكر، على تموين الأعمال الثّورية بحكم كونه أمينا للمال، إلى جانب جعل منزله الواقع بشارع “علي بختّو”، بيجو سابقا، مقصدا للثوّار وذخيرتهم، وهو ما دفع فرنسا إلى سجنه ثلاث مرّات بين سنتي 1952 و1953م، جمعته إحداها بصاحبه المرحوم إيدير آيت عمران الّذي تقلّد لاحقا منصب أوّل رئيس للمحافظة السّامية للأمازيغيّة. ومن اللّافت في شخصيّة حوّاش أنّه رفض رفضا قاطعا تسلّم حقوقه الثّورية من بطاقة ومناصب وامتيازات بعد الاستقلال.

وبما أنّه غدا متمرّسا في التّجارة منذ نشأته الأولى، شغل عقب ذلك منصب رئيس غرفة التّجارة بتيهرت، إلى جانب اختياره رئيسا لجماعة التجّار المزابيّين هناك.

احترف حوّاش أيضا ميدان الفروسيّة الّذي أهّله ليصبح عضوا فاعلا في إدارة مركّب الخيول بتيهرت، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه بعد قسط من الزّمن.

طبعت عودته إلى تغردايت قدوم رجل مجتمع حامل لجميع مواصفات الرّيادة والإصلاح والتّنوير، ممّا خوّله لأن يصبح قبلة للكثيرين، وبالأخصّ أبناء عشيرته “آت علوان” الّتي عيّن رئيسا لها سنة 1968م.

عيّن بعدها عضوا لمؤسّسات رائدة، على غرار جمعيّة الإصلاح المشهورة آنذاك، وسرعان ما أسّس معهد الإصلاح للطّورين المتوسّط والثّانوي ليصبح مديرا عامّا له سنة 1979م.

وقد أمسى “عبد الرّحمن حوّاش” سنة 1983م عضوا بحركة العزّابة التّابعة لجمعيّة الإصلاح نفسها, وهي المؤسّسة الاجتماعيّة الّتي شكّلت مرجعا لتنظيم شؤون القرية.

 

انتقالا إلى نضاله في مجال اللّسانيات والثّقافة الأمازيغيّين، كان هذا المفكّر دائم البحث في ذلك منذ فجر الاستقلال، لدرجة تحدّى كافّة مخلّفات الكولونياليّة في سبيل تحقيق حلمه بإنشاء “المكتبة الشّاملة لتجميع الموروث الأمازيغي”، الّتي تضمّ الآلاف من القطع التّراثية كالمخطوطات والمجلّات والجرائد والرّسائل والصّور، ناهيك عمّا هو سمعي أو سمعي بصري. هذا الصّرح الّذي يعتبره جلّ الباحثين أكبر مكتبة تراثيّة بتغردايت.

 

تعوّد الشّيخ حوّاش، طيلة عقود من الزّمن، على استقبال الباحثين وطلبة العلم بمكتبته الّتي سخّر لها جلّ وقته ما إن تفرّغ للبحث والإنتاج الفكري والتّدوين. ولشدّة عطائه، أضحى قبلة للدّارسين والدّكاترة من داخل وخارج الوطن بهدف الاستزادة من علمه.

تعدّدت نشاطاته في الحقل الثّقافي من تنشيط معارض كبيرة، وتنظيم ندوات علميّة على الصّعيدين الوطني والدّولي، وكذا مراسلات دوليّة كثيرة مع الباحثين والدّكاترة.

ولعلّ ما أضاف نكهة خاصّة لشخصيّة الرّمز “حوّاش عبد الرّحمن”، رحلاته العلميّة الاستطلاعيّة العديدة الّتي امتدّت إلى أروبّا وبعض المدن العربيّة منها القدس. كما عدّت فرنسا أكثر بلد تردّد على مكتباته للاطّلاع على تراثنا الغائب وجمع ما تيسّر له، وكان ذلك ببطاقة خاصّة جاب بها “إكس بروفانس” و”اللّوفر” ومكتبة جامعة السّوربون والمكتبة الوطنيّة بباريس.

حديثا عن المدوّنات، جمع العلّامة “عبد الرّحمن حوّاش” مايربو عن 3000 مثلا شعبيّا بالمتغيّر الأمازيغي المزابي، تضمّنوا أزيد من 120 مثل قيل في فنّ النّسيج، استوحى منهم، بدوره، أزيد من 600 لفظة بين فعل واسم وأداة، حسبما أفاد به في إحدى حصصه الإذاعيّة. وقد أضحت تلك حينها طريقته في استرجاع ما اندثر أو غاب عن لسان العامّة، ناهيك عن دراسة خصائص اللّسان الأمازيغي الّذي امتدّت معطياته حياله إلى عديد المتغيّرات الأخرى، انطلاقا ممّا جمعه من كتب ودواوين, إضافة إلى مسألة إتقانه للّغات. والأكثر إثارة أنّ عدد العناوين الببليوغرافيّة الّتي استطاع جمعها بخصوص التّراث الميزابي تجاوز 8000 عنوانا.

أمّا عن إنتاجاته, ساهم هذا العلّامة في إنجاز “المعجم الميزابي” رفقة اسمين آخرين هما “إبراهيم عبد السّلام” و”أحمد نوح مفنون” المعروفين بدورهما في مجال الأبحاث الأمازيغيّة. وله أبحاث أخرى غير منشورة، إلى جانب رصيد معتبر من حصصه الإذاعيّة الّتي جمع مادّتها المسموعة في أقراص مضغوطة تعوّد أن يهديها لكافّة الّذين يقصدونه للبحث في الشّأن الأمازيغي.

فقد كان هذا المفكّر من أوائل الّذين اشتغلوا حول اللّسان الأمازيغي بالإذاعة الوطنيّة، وهو صاحب برنامج “إلسنّغ” الّذي بثّ على أثير القناة الثّانية، ثمّ تلك الجهويّة بتغردايت فور استحداث شطر من الزّمن للّسان الأمازيغي فيها، علاوة على برنامج “تنفوسين ستجمّيوين” منذ مستهلّ الألفينات (من 2002 إلى 2008)، هذه المادّة المعرفيّة الّتي أمست ذخرا للدّراسات اللّسانية الأمازيغيّة. وللإشارة، فحوّاش كان يحاور جمهوره الإذاعي أحيانا من الجزائر العاصمة وتغردايت في الفترة عينها.

وبعيدا عن التّراث الأمازيغي واللّسانيّات واللّغات، جمع حوّاش بين معارف عديدة، منها ما تعلّق بالتّاريخ والجغرافيا والدّين، وهذا لملاحظته السّديدة والذّكاء الخارق وميزة حسن إعمال العقل الّتي أهّلته ليقوم بدراسات في المسائل الفقهيّة الشّرعية.

استفاد من خبرة الفقيد باحثون وخبراء من منظّمة اليونسكو مع إقرارهم برصيده وتفانيه في خدمة التّراث، وهذا قبل اعتماد المنظّمة لوادي ميزاب تراثا ثقافيّا عالميّا للإنسانيّة.

 

ومن أقواله المحفورة في أذهان مستمعيه عبر أثير الإذاعة الوطنيّة:

“الألفاظ الّتي لا تدوّنونها ولا تحرصون عليها سيأتي يوم وتندثر”.

“هناك ألفاظ نسيناها ورحلت عنّا هي وما يتعلّق بها، لنعمل على إحيائها من جديد ونعلّمها لأبنائنا..هناك ألفاظ انتهت، وما بقي منها سوى أسماء الأشخاص والبساتين وأمور أخرى..”.

“لا يوجد ما نبكي عليه أكثر من ترك ثقافتنا تندثر مع الزّمن، فالأوّلون قالوا إنّنا كلّما شهدنا رحيل شخص كبير (أمقران) فكأنّما مكتبة احترقت، وهذا باعتباره يأخذ معه اللّسان والثّقافة والأدب”.

وهي النّصائح الّتي رمى من خلالها إلى الحثّ على مجالسة العجائز الكبار من جهة، لمحاورتهم في كلّ ما يتعلّق بالتّراث وتدوين ما ينمّ عن ذلك من جهة أخرى.

عديدون هم من تعاملوا مع حوّاش المفكّر أو حوّاش الصّديق، إنّما كلّهم يتّفقون في رأي واحد..

 

“عبد الرّحمن حوّاش لم يمت لأنّه ترك الكثير .. فهو أوّل من التفت إلى ثقافتنا الأمازيغيّة بالمتغيّر الميزابي”

يقول “الدّكتور نوح عبد اللّه” المتخصّص في الأدب واللّسان الأمازيغيّين: “التفت حوّاش، رحمه الله،

إلى الثّقافة الأمازيغيّة الميزابيّة وقت كان الجميع منهمكا بالدّراسات الدّينية. ولأنّ وقته كان منقسما بين ممارسة التّجارة والبحث الأمازيغي، اضطرّ لوقف التّجارة سنة 1977م ليتفرّغ كليّة إلى هذا البحث وجمع تراثنا المتناثر هنا وهناك، وكذا ما خلّفه المستشرقون، ليلمّ بكافّة عوالم حضارتنا”.

وعن خصاله, أردف الدّكتور نوح بأنّ حوّاش عبد الرّحمن معروف بالعمل الدّؤوب دون إحداث ضجيج يذكر، بعكس من يحبّون الظّهور واعتلاء المنابر لمدح أنفسهم عديدا، وحين نبحث عن أعمالهم لا نجد لها وزنا. كذلك، كثرت أسفاره لأنّه ما إن يسمع بكتاب حول الأمازيغيّة أو بني ميزاب خارج الوطن، سرعان ما يعقد الرّحال إلى ذلك المكان لاقتنائه حتّى يجعله في مكتبته تحت تصرّف الباحثين.

يضيف د.نوح أنّه حين كان يجهّز رسالة الماجستير خاصّته في تخصّصه الأوّل “القانون” سنة 1990 زار المرحوم في مكتبته، وحينها اكتشف كنوزا من كتب قيّمة ووثائق نادرة كانت إرهاصا لما توصّل إليه بدوره لاحقا من دراسات في تخصّصه الثّاني “اللّغة الأمازيغيّة وآدابها”، بحيث كان حوّاش ملهمه لذلك.

ولذلك يعتبر الباحث أنّ حوّاش لم يمت لأنّه ترك الكثير، كما صرّح بأنّه أوّل من التفت إلى جمع وتدوين ثقافتنا الأمازيغيّة بالمتغيّر الميزابي.

 

  “حين كان حوّاش مديرا لإحدى المدارس قديما، تعوّد على تكليف التّلاميذ باستفسار جدّاتهم حول مجمل الملفوظات القديمة الّتي اندثرت أو تلك العصيّة عن الفهم، فيجلبونها إليه في قصاصات ورقيّة، لتصبح فيما بعد موضوع بحث وتحقيق بالنّسبة له”. 

أوضح صديقه الأستاذ “عبد السّلام إبراهيم” الّذي له دراسات في تراكيب اللّسان الأمازيغي واشترك بدوره مع حوّاش في إنتاج “المعجم الميزابي”، أنّ هذا الأخير مجاهد كبير وكذلك شخص أفنى عمره من أجل خدمة تراثه وجعله متاحا للأجيال الصّاعدة. فليس ممّن يتقبّلون أيّ معلومة دون تمحيص أو إعمال للعقل، وليس ممّن يردّدون ما جاء به الأسلاف، أو ما يرده، دون تقييم أو نقد، كما أنّه يولي أهمية عظيمة للوقت، عدا عن اتّصافه بسفراته العديدة في سبيل إحضار المادّة المعرفيّة اللّازمة.

يقول السيّد عبد السّلام: “عرفته حين بدأت البحث في تراكيب اللّسان الأمازيغي، عن طريق صديق احتكّ به حين كان مديرا لإحدى المدارس قديما، أين تعوّد حوّاش على تكليف التّلاميذ باستفسار جدّاتهم حول مجمل الملفوظات القديمة الّتي اندثرت أو تلك العصيّة عن الفهم، فيجلبونها إليه في قصاصات ورقيّة، لتصبح فيما بعد موضوع بحث وتحقيق بالنّسبة له “.

يضيف القائل بأنّ الفقيد شخص صارم وكثير التّدقيق في الأمور، وليس من السّهل أن يقتنع بشيء إلّا إذا كان الدّليل المعطى دامغا… “فنحن حاليّا مدركون أنّ شخصا فريدا رحل عنا ومن الصّعب جدّا أن يفرج الدّهر عن مثيل له”.

ومن جهته، أفاد السيّد “أبو اليقظان عبد الرّحمن”، من المخرجين القدامى بالإذاعة الوطنيّة، القناة الثّانية، وأحد معارفه، أنّ حوّاش كان أوّل من فكّر في إنشاء معجم حول المتغيّر الميزابي. وبالتّالي، استدعى به الأمر توجيه نداء للمهتمّين من كافّة قصور ميزاب، وكان يجمعهم في منزله لمناقشة الأمور الثّقافية واللّسانية. فيما أشار إلى عطاءاته على أثير الإذاعة الوطنيّة بالعاصمة قبيل وحتّى بعيد بثّ حصصه من تلك الجهويّة بتغردايت.

 

لا أزال منبهرا بصفات المرحوم الّتي جعلته يستقلّ الطّائرة, من حرّ ماله ذهابا وإيّابا, من تغردايت إلى العاصمة كلّ حين فقط ليسجّل أعدادا جديدة تحوي تراثنا الثّقافي واللّساني”

يقول, في هذا الصّدد، المخرج “محمّد أنيس حجّوجة”: “ذكّرتني ببداياتي في الإذاعة وقت التقيت بالسيّد حوّاش النّموذج، فما إن يراه الشّخص، سرعان ما ينبهر بطريقة تنظيمه لوقته، وبشدّة إيمانه بالرّسالة الّتي لطالما عمل على إيصالها.  فلا أزال منبهرا بصفات المرحوم الّتي جعلته يستقلّ الطّائرة، من حرّ ماله ذهابا وإيّابا، من تغردايت إلى العاصمة كلّ حين، فقط ليسجّل أعدادا جديدة تحوي تراثنا الثّقافي واللّساني”. ويردف المحدّث بأنّه لازال يحتفظ في ذاكرته بصورته وهو يقف منتظرا في الصّباح الباكر للتّسجيل، الأمر الّذي ترك لديه وقعا خاصّا. ولم يفوّت الفرصة لاستذكار صدى تلك الحصص لدى المستمعين الّذين دأبوا على ترقّبه كلّ أسبوع بشغف، سواء القاطنين داخل الوطن أو المغتربين منهم. فقد أعربوا كلّهم، حسبما تفضّل به، عن مدى قيمة مقولات حوّاش الّتي كانت تطرق قلوبهم وعقولهم وليس فقط مسمعهم، وذلك لما حملته في طيّاتها من رائحة الجذور وكلّ ما تزخر به الثّقافة الأمازيغية من جمال يطرق الفكر.

لقد توفّر “أب التّراث الميزابي”، مثلما اصطلح على تسميته كثيرون، على صفات قلّما تجتمع لدى الشّخص الواحد، باعتباره المجاهد في سبيل الوطن والمصلح ورجل الدّين التّنويري والفارس والتّاجر المحنّك والجامع للألسنة والباحث الكثير التّرحال والعالم المسبّل لعلمه خدمة للإنسانيّة.

شاء القدر أن يغيّب العلّامة الجزائري “حوّاش عبد الرّحمن”، رحمه الله وطيّب ثراه، يوم الأحد المصادف لليوم الوطني للعلم 16 أفريل 2017م-19 رجب 1438ه عن عمر ناهز 90 عاما، بعد فترة وجيزة من إجرائه لعمليّة على مستوى القلب، وقد بلغ خلفه الجيل الرّابع من بعده.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *